تحية طيبة للجميع،
من الأقوال الثابتة والمتفق عليها عند كل المسلمين قاطبة – فيما أعلم – هو قول أن التوراة والإنجيل الحاليين هما كتابان محرَّفان، وأنهما ليسا التوراة والإنجيل الأصليين الذين نزلا على (موسى) و (عيسى). وأنا أحاول هنا أن أناقش باختصار دلائل قرآنية بحتة تشير إلى خطأ هذا القول وابتعاده عن الحقيقة، جمعتها منذ فترة من عدة مصادر وكتب، بعضها مسيحي وبعضها لاديني.
ولكن قبل البدء هناك سؤال مُلِح. ما هو الإنجيل الأصلي؟ وهل هناك إنجيل نزل على (عيسى) نفسه، أو كتبه بيده، دون الأناجيل التي كتبها حواريوه من بعده؟
حسب ما أعرف، لم يُذكَر بشكل صريح أن (عيسى) كتب إنجيلاً بنفسه يتضمن تعاليمه، وإنما الأناجيل كلها كُتِبت بواسطة معارفه أو أتباعه. وهناك تساؤلات كبيرة حول هذه النقطة، لكن لم يثبت بعد من قريب أو من بعيد أن هناك "إنجيل عيسى"، كما نقول "توراة موسى" أو "قرآن محمد".
وهذا يجعلنا نتساءل عن معنى "تحريف الإنجيل" أصلاً! فالإنجيل هو بالضرورة كلام بشر، ولم يدَّعِ أحد أنه كلام إلهي. صحيح أن كتبة الأناجيل يقولون أن (عيسى) قال كذا وكذا، لكن أحداً منهم لم يقل أن هذا الكلام حرفي، فكيف نقول أن هذه الأناجيل محرَّفة؟
قد يكون المقصود هو أن كتبة الأناجيل قد تقوَّلوا على (عيسى) ما لم يقله. وسأرضى بهذا المعنى – رغم وجود عدة اعتراضات عليه – وأنتقل لمناقشة الأدلة القرآنية على خطأ ادعاء تحريف التوراة والإنجيل.
فآيات سورة (المائدة) تقول:
إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)
إذاً فالقرآن يقول أن التوراة "الأصلية" فيها هدى ونور، و(عيسى) جاء مصدقاً للتوراة الموجودة في عصره، أي أنها لم تكن محرَّفة في ذلك الزمن. ثم يقول القرآن أن الله أعطى (عيسى) الإنجيل – وهو ما لم تثبته أي دراسات تاريخية أو ثيولوجية – وهذا الإنجيل أيضاً فيه هدى ونور. ثم يقول القرآن أن الله أنزل على (محمد) كتاباً مصدقاً لما بين يدي "شيء أو شخص ما" من الكتاب ومهيمناً عليه. وسياق الآيات يوحي بأن هذا الشخص هو (عيسى) نفسه، وبالتالي يكون ما بين يديه من الكتاب هو الإنجيل، والذي جاء مصدقاً للتوراة. وبما أن كتاب (محمد) نزل مصدقاً للجميع، فهذا يعني أن التوراة والإنجيل لم يطلهما تحريف حتى زمان (محمد) نفسه، وإلا كان من المستحيل أن ينزل كتابه مصدقاً لكلام محرَّف.
كما أن الآية 68 من نفس السورة تقول:
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)
أي أن الله يأمر (محمداً) أن يخبر أهل الكتاب أن السبيل القويم هو اتباع التوراة والإنجيل والقرآن معاً. فهل يُعقَل مع أمر كهذا أن يكون التوراة والإنجيل محرَّفين في عهد (محمد)؟
ويستند المسلمون القائلون بتحريف التوراة والإنجيل إلى آية سورة (النساء) التي تقول:
مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46)
لكن الآية هنا واضحة تماماً أن "بعض" الذين هادوا فقط يحرفون الكلم عن مواضعه، وليس كلهم. إذاً – لو افترضنا أن التحريف المذكور في الآية هو التحريف بمفهومه الإسلامي الحالي – لكان معنى ذلك أن هناك نسخاً من التوراة لا تزال صحيحة.
ثم أن التحريف المعنِي في الآية غالباً ليس تحريفاً في أصل التوراة، بل هو تحريف في المعنى فقط، بدليل أنه اقترن بـ "قول" الذين هادوا (سمعنا وعصينا) و (راعنا). أي أن التحريف هنا شفهي وليس كتابياً.
وفي سورة (البقرة)، نجد آية شبيهة:
أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)
ومرة أخرى، نجد نفس التركيبة. (فريق) منهم فقط هو من حرَّف كلام الله. وهذا التحريف لم يكن في أصل الكتاب، بل هو متعلق بالسماع والفهم.
ثم نعود مرة أخرى لسورة (المائدة) لنجد آية تقول:
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)
وهنا نجد أن (ابن كثير) نفسه رأى أن التحريف شفهي ومعنوي، وليس تحريفاً في الكتاب نفسه، إذ قال:
" يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ " أَيْ فَسَدَتْ فُهُومُهُمْ وَسَاءَ تَصَرُّفُهُمْ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَتَأَوَّلُوا كِتَابَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَهُ وَحَمَلُوهُ عَلَى غَيْر مُرَاده وَقَالُوا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ عِيَاذًا بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ
[/b]
إذاً يبقى احتمال أن يكون التحريف قد طال التوراة والإنجيل "بعد" نزول القرآن. لكننا نملك الآن مخطوطات عديدة من قبل نزول القرآن نفسه، مثل النسخة الإسكندرية (400 ميلادياً) والمخطوطة السينائية (300 ميلادياً) والمخطوطة التي حصل عليها (تشستر بيتي Chester Beatty) والتي تعود إلى 200 ميلادياً، وكلها لا نجد اختلافات حقيقية بينها وبين الأناجيل الموجودة حالياً.
إذاً فالتحريف لم يحدث قبل نزول القرآن، ولم يحدث بعده. فمتى حدث بالضبط؟!